نأيٌ بالنفس

ســمير بسّــام ســكيني

َيلزمُكَ لاحترافِ الوحدة كمّاً من الصبرِ، بضعة كتب، وتعدّدٍ في الشخصيات. لا انفصامٍ، تعدّد فحسب. هذا لأنكَ سوف تحتاجَها كلّها عند انتهائك من المطالعة، لخوضِ نقاشٍ عابرٍ عن الأنطولوجيا وعلم الفلك، أو لمؤازرَتِكَ بعد فشلٍ ذريعٍ في تفسيرِ حُلمٍ قد أَزعجَكَ في بداية المرحلة.

لا داعي للإنزعاج، ستعتاد هذه الأحلام عاجلاً. هات دفتراً صغيراً وضعْهُ قرب وسادتِكَ لتدوّن أبرز ما جاء في ليلكَ المتقطّع. ما اسمُها؟ ستسعى جاهداً، لكنّك لن تَنجح. عبثاً تحاول أن تتذكرَ اسمَ شقيّةٍ عَبَرتْ خِلسةً حين كنتَ تركض مبتعداً عن الجموع – فأنت تخشى الزّحامَ .والاختلاط نتيجةَ اتّباعكَ سياسة النأي بالنفس لفترةٍ أطول من اللازم- لن تتذكّر، ذلك لأنها لم تقل لك اسمَها بل اكتفَتْ بالابتسام
من حسنِ حظِّكَ أنّكَ اعتدْتَ رسمَ الوجوهِ. خذْ قلماً اذاً وخطَّ ملامحَها على أقربِ ورقةٍ قبل أن تنسى. دعني أرى… حسناً… النتيجة قريبة، الى حدٍّ ما. لا بأس بك. والآن ضع لوحتَكَ الصغيرة فوق رفِّ الكتب، واقرأ. دوستويڤسكي  كفيلٌ بأن يجعلَكَ تنسى، ودرويش مناسبٌ لتنشيط الذاكرة. طبعاً، ستختار الثاني، كنتُ أعلم. ذلك لأنك سئمتَ مخاطبةِ الظلال والقطط! ستُدركُ اذاً أن عيناها عسليّتان وانها تحبّ البنفسجَ، أسوَداً. لا تتكبّد عناء ترتيب الغرفة او سكب النبيذ، فإنها لن تأتي. ولكن، في كل الأحوال، انتظرها.

سيلزمكَ لانتظارِها كمّاً من الصبرِ. فاستمع اذاً للشِّعر الحديثِ في الحصار إن شئت، وتخيّل الواقعة كي يمرّ الوقت. او خذ قلماً واكتب، دع ما يشوّش فكرِكَ ينساب على الورق؛ هكذا تفعل واحدةٌ من شخصيّاتك العديدة وهي تخاطبك، او تخاطب غيرك، او تخاطب نفسها، تكتبُ الآن نصّاً، هذا النصّ بالذات.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Create a website or blog at WordPress.com

Up ↑

%d bloggers like this: